فصل: تفسير الآيات (51- 57):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل



.تفسير الآية رقم (37):

{أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37)}
هو تبع الحميري: كان مؤمناً وقومه كافرين؛ ولذلك ذمّ الله قومه ولم يذمه، وهو الذي سار بالجيوش وحير الحيرة وبني سمرقند. وقيل: هدمها وكان إذا كتب قال: بسم الله الذي ملك برّاً وبحراً.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا تبعاً فإنه كان قد أسلم» وعنه عليه الصلاة والسلام: «ما أدري أكان تبع نبياً أو غير نبي» وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كان نبياً. وقيل: نظر إلى قبرين بناحية حمير قال: هذا قبر رضوي وقبر حبى بنتيّ تبع لا تشركان بالله شيئاً. وقيل: هو الذي كسا البيت.
وقيل لملوك اليمن: التبابعة، لأنهم يتبعون، كما قيل: الأقيال، لأنهم يُتَقيلون وسمي الظل {تبعاً} لأنه يتبع الشمس.
فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: {أَهُمْ خَيْرٌ} ولا خير في الفريقين؟ قلت: معناه أهم خير في القوّة والمنعة، كقوله تعالى: {أكفاركم خَيْرٌ مّنْ أُوْلَئِكُمْ} [القمر: 43] بعد ذكر آل فرعون. وفي تفسير ابن عباس رضي الله عنهما: أهم أشدّ أم قوم تبع.

.تفسير الآيات (38- 42):

{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (41) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (42)}
{وَمَا بَيْنَهُمَا} وما بين الجنسين.
وقرأ عبيد بن عمير: وما بينهن.
وقرأ {ميقاتهم} بالنصب على أنه اسم إن، ويوم الفصل؛ خبرها، أي: إنّ ميعاد حسابهم وجزائهم في يوم الفصل {لاَ يُغْنِى مَوْلًى} أيّ مولى كان من قرابة أو غيرها {عَن مَّوْلًى} عن أي مولى كان {شَيْئاً} من إغناء. أي: قليلاً منه {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} الضمير للموالي؛ لأنهم في المعنى كثير، لتناول اللفظ على الإبهام والشياع كل مولى {إِلاَّ مَن رَّحِمَ الله} في محل الرفع على البدل من الواو في {يُنصَرُونَ} أي: لا يمنع من العذاب إلا من رحمهُ الله. ويجوز أن ينتصب على الاستثناء {إِنَّهُ هُوَ العزيز} لا ينصر منه من عصاه {الرحيم} لمن أطاعه.

.تفسير الآيات (43- 50):

{إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50)}
قرئ: {إنّ شجرت الزقوم} بكسر الشين، وفيها ثلاث لغات: شجرة، بفتح الشين وكسرها وشيرة، بالياء. وروى أنه لما نزل {أذلك خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزقوم} [الصافات: 62] قال ابن الزبعرى: إنّ أهل اليمن يدعون أكل الزبد والتمر: التزقم، فدعا أبو جهل بتمر وزبد فقال: تزقموا فإنّ هذا هو الذي يخوّفكم به محمد، فنزل {إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم (43) طَعَامُ الأثيم (44)} [الدخان: 44] وهو الفاجر الكثير الآثام.
وعن أبي الدرداء أنه كان يقرئ رجلاً فكان يقول طعام اليثيم، فقال: قل طعام الفاجر يا هذا. وبهذا يستدل على أنّ إبدال كلمة مكان كلمة جائز إذا كانت مؤدية معناها. ومنه أجاز أبو حنيفة القراءة بالفارسية على شريطة، وهي: أن يؤدي القارئ المعاني على كمالها من غير أن يخرم منها شيئاً. قالوا: وهذه الشريطة تشهد أنها إجازة كلا إجازة؛ لأنّ في كلام العرب خصوصاً في القرآن الذي هو معجز بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه من لطائف المعاني والأغراض ما لا يستقل بأدائه لسان من فارسية وغيرها، وما كان أبو حنيفة رحمه الله يحسن الفارسية، فلم يكن ذلك منه عن تحقق وتبصر، وروى علي بن الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة مثل قول صاحبيه في إنكار القراءة بالفارسية {كالمهل} قرئ: بضم الميم وفتحها، وهو دردي الزيت. ويدل عليه قوله تعالى: {يَوْمَ تَكُونُ السماء كالمهل} [المعارج: 8] مع قوله: {فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان} [الرحمن: 37] وقيل: هو ذائب الفضة والنحاس، والكاف رفع خبر بعد خبر، وكذلك {يَغْلِى} وقرئ: بالتاء للشجرة، وبالياء للطعام. و{الحميم} الماء الحار الذي انتهى غليانه: يقال للزبانية {خُذُوهُ فاعتلوه} فقودوه بعنف وغلظة، وهو أن يؤخذ بتلبيب الرجل فيجر إلى حبس أو قتل. ومنه {العتلّ} وهو الغليظ الجافي. وقرئ: بكسر التاء وضمها {إلى سَوَآءِ الجحيم} إلى وسطها ومعظمها.
فإن قلت: هلا قيل: صبوا فوق رأسه من الحميم، كقوله تعالى: {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءوسِهِمُ الحميم} [الحج: 19] لأنّ الحميم هو المصبوب لا عذابه؟ قلت: إذا صب عليه الحميم فقد صب عليه عذابه وشدّته، إلا أنّ صب العذاب طريقة الاستعارة، كقوله:
صُبَّتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ الدَّهْرِ مِنْ صَبَبِ

وكقوله تعالى: {أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} [البقرة: 250] فذكر العذاب معلقاً به الصب، مستعاراً له، ليكون أهول وأهيب يقال: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم (49)} على سبيل الهزؤ والتهكم بمن كان يتعزز ويتكرم على قومه.
وروي أنّ أبا جهل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بين جبليها أعز ولا أكرم مني، فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئاً. وقرئ: «إنك» بمعنى: لأنك.
وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قرأ به على المنبر {إِنَّ هذا} العذاب. أو إن هذا الأمر هو {مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ} أي تشكون. أو تتمارون وتتلاجون.

.تفسير الآيات (51- 57):

{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (53) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آَمِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57)}
قرئ: {في مقام} بالفتح: وهو موضع القيام، والمراد المكان، وهو من الخاص الذي وقع مستعملاً في معنى العموم. وبالضم: وهو موضع الإقامة. و{الأمين} من قولك: أمن الرجل أمانة فهو أمين. وهو ضد الخائن، فوصف به المكان استعارة؛ لأنّ المكان المخيف كأنما يخون صاحبه بما يلقى فيه من المكاره. قيل: السندس: ما رق من الديباج. والإستبرق: ما غلظ منه وهو تعريب استبر.
فإن قلت: كيف ساغ أن يقع في القرآن العربي المبين لفظ أعجمي؟ قلت: إذا عرب خرج من أن يكون عجمياً؛ لأن معنى التعريب أن يجعل عربياً بالتصرف فيه، وتغييره عن منهاجه، وإجرائه على أوجه الإعراب {كذلك} الكاف مرفوع على الأمر كذلك. أو منصوب على: مثل ذلك أثبناهم {وزوجناهم} وقرأ عكرمة {بحور عين} على الإضافة: والمعنى: بالحور من العين؛ لأن العين إما أن تكون حوراً أو غير حور، فهؤلاء من الحور العين لا من شهلهن مثلاً. وفي قراءة عبد الله: {بعيس عين} والعيساء: البيضاء تعلوها حمرة وقرأ عبيد بن عمير {لا يذاقون فيها الموت} وقرأ عبد الله {لا يذوقون فيها طعم الموت}، فإن قلت: كيف استثنيت الموتة الأولى- المذوقة قبل دخول الجنة- من الموت المنفي ذوقه فيها؟ قلت: أريد أن يقال: لا يذوقون فيها الموت البتة، فوضع قوله: {إِلاَّ الموتة الأولى} موضع ذلك؛ لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل، فهو من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها. وقرئ: {ووقاهم} بالتشديد {فَضْلاً مّن رَّبِّكَ} عطاء من ربك وثواباً، يعني: كل ما أعطى المتقين من نعيم الجنة والنجاة من النار. وقرئ: {فضل} أي: ذلك فضل.

.تفسير الآيات (58- 59):

{فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59)}
{فَإِنَّمَا يسرناه بِلَسَانِكَ} فذلكة للسورة. ومعناها: ذكرهم بالكتاب المبين (فإنما يسرناه) أي: سهلناه، حيث أنزلناه عربياً بلسانك بلغتك إرادة أن يفهمه قومك فيتذكروا {فارتقب} فانتظر ما يحل بهم {إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ} ما يحل بك متربصون بك الدوائر.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك» وعنه عليه السلام: «من قرأ سورة حم التي ذكر فيها الدخان في ليلة جمعة أصبح مغفوراً له».

.سورة الجاثية:

.تفسير الآيات (1- 6):

{حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6)}
{حم} إن جعلتها اسماً مبتدأ مخبراً عنه ب {تَنزِيلُ الكتاب} لم يكن بدّمن حذف مضاف، تقديره: تنزيل حم تنزيل الكتاب. و{مِنَ الله} صلة للتنزيل، وإن جعلتها تعديداً للحروف كان (تنزيل الكتاب) مبتدأ، والظرف خبراً {إِنَّ فىلسماوات والارض} يجوزأن يكون على ظاهره، وأن يكون المعنى؛ إنّ في خلق السموات لقوله: {وَفِى خَلْقِكُمْ} فإن قلت: علام عطف {وَمَا يَبُثُّ} أعلى الخلق المضاف؟ أم على الضمير المضاف إليه؟ قلت: بل على المضاف، لأنّ المضاف إليه ضمير متصل مجرور يقبح العطف عليه، استقبحوا أن يقال: مررت بك وزيد، وهذا أبوك وعمرو، وكذلك إن أكدوه كرهوا أن يقولوا: مررت بك أنت وزيد. قرئ {آيات لقوم يوقنون} بالنصب والرفع، على قولك: إنّ زيداً في الدار وعمراً في السوق. أو عمرو في السوق. وأمّا قوله: (آيات لقوم يعقلون) فمن العطف على عاملين، سواء نصبت أو رفعت، فالعاملان إذا نصبت هما: إن، وفي، أقيمت الواو مقامهما، فعملت الجر في (واختلاف الليل والنهار)، والنصب في {ءايات}. وإذا رفعت فالعاملان: الابتداء وفي عملت الرفع في {لأيات}، والجر في {واختلاف} وقرأ ابن مسعود {وفي اختلاف الليل والنهار} فإن قلت: العطف على عاملين على مذهب الأخفش سديد لا مقال فيه. وقد أباه سيبويه، فما وجه تخريج الآية عنده؟ قلت: فيه وجهان عنده. أحدهما: أن يكون على إضمار في. والذي حسنه تقدّم ذكره في الآيتين قبلها. ويعضده قراءة ابن مسعود.
والثاني: أن ينتصب آيات على الاختصاص بعد انقضاء المجرور معطوفاً على ما قبله أو على التكرير، ورفعها بإضمار هي: وقرئ: {واختلاف الليل والنهار} بالرفع. وقرئ {آية} وكذلك وما يبث من دابة آية. وقرئ {وتصريف الريح} والمعنى: إنّ المنصفين من العباد إذا نظروا في السموات والأرض النظر الصحيح، علموا أنها مصنوعة، وأنه لابد لها من صانع، فآمنوا بالله وأقرّوا، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال وهيئة إلى هيئة، وفي خلق ما على ظهر الأرض من صنوف الحيوان: ازدادوا إيماناً، وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس؛ فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدّد في كل وقت كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار وحياة الأرض بها بعد موتها. {وَتَصْرِيفِ الرياح} جنوباً وشمالاً وقبولاً ودبوراً: عقلوا واستحكم علمهم وخلص يقينهم، وسُمّيَ المطر رزقاً؛ لأنه سبب الرزق {تِلْكَ} إشارة إلى الآيات المتقدّمة، أي: تلك الآيات آيات الله. و{نَتْلُوهَا} في محل الحال، أي: متلوة {عَلَيْكَ بالحق} والعامل ما دل عليه تلك من معنى الإشارة. ونحوه: {هذا بعلي شيخاً} [هود: 72] وقرئ {يتلوها} بالياء {بَعْدَ الله وءاياته} أي بعد آيات الله كقولهم: أعجبني زيد وكرمه، يريدون: أعجبني كرم زيد. ويجوز أن يراد: بعد حديث الله، وهو كتابه وقرآنه، كقوله تعالى؛ {الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث} [الزمر: 23]. وقرئ {يُؤْمِنُونَ} بالتاء والياء.

.تفسير الآيات (7- 10):

{وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آَيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (9) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (10)}
الأفاك: الكذاب، والأثيم: المتبالغ في اقتراف الآثام {يُصِرُّ} يقبل على كفره ويقيم عليه. وأصله من إصرار الحمار على العانة وهو أن ينحى عليها صارّاً أذنيه {مُسْتَكْبِراً} عن الإيمان بالآيات والإذعان لما ينطق به من الحق، مزدرياً لها معجباً بما عنده. قيل: نزلت في النضر بن الحرث وما كان يشتري من أحاديث الأعاجم، ويشغل الناس بها عن استماع القرآن. والآية عامّة في كل ما كان مضارّاً لدين الله.
فإن قلت: ما معنى ثم في قوله: {ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً}؟ قلت: كمعناه في قول القائل:
يَرَى غَمَرَاتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها

وذلك أنّ غمرات الموت حقيقة، بأن ينجو رائيها بنفسه ويطلب الفرار عنها. وأمّا زيارتها والإقدام على مزاولتها. فأمر مستبعد، فمعنى ثم: الإيذان بأن فعل المقدّم عليها بعدما رآها وعاينها؛ شيء يستعبد في العادات والطباع، وكذلك آيات الله الواضحة الناطقة بالحق، من تليت عليه وسمعها: كان مستبعداً في العقول إصراره على الضلالة عندها واستكباره عن الإيمان بها {كَأَن} مخففة، والأصل كأنه لم يسمعها: والضمير ضمير الشأن، كما في قوله:
كَأَنْ ظَبْيَةً تعطو إِلَى نَاضِرِ السَّلَمْ

ومحل الجملة النصب على الحال. أي: يصر مثل غير السامع {وَإِذَا} بلغه شيء من آياتنا وعلم أنه منها {اتخذها} أي اتخذ الآيات {هُزُواً} ولم يقل: اتخذه، للإشعار بأنه إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات التي أنزلها الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم: خاض في الاستهزاء بجميع الآيات. ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه، ويحتمل: وإذا علم من آياتنا شيئاً يمكن أن يتشبث به المعاند ويجد له محملاً يتسلق به على الطعن والغميزة: افترصه واتخذ آيات الله هزواً، وذلك نحو افتراص ابن الزبعري قوله عز وجل: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98] ومغالطته رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله: خصتمك. ويجوز أن يرجع الضمير إلى شيء؛ لأنه في معنى الآية كقول أبي العتاهية:
نَفْسِي بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا مُعَلَّقَةٌ ** أللَّهُ وَالْقَائِمُ الْمَهْدِيُّ يَكْفِيَهَا

حيث أراد عتبة. وقرئ: {علم أولئك} إشارة إلى كل أفاك أثيم، لشموله الأفاكين. والوراء اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام. قال:
أَلَيْسَ وَرَائِي أَنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتِي ** أَدِبُّ مَعَ الْوِلْدَانِ أَزْحَفُ كَالنَّسْرِ

ومنه قوله عز وجل: {مِّن وَرَائِهِمْ} أي من قدّامهم {مَّا كَسَبُواْ} من الأموال في رحلهم ومتاجرهم {وَلاَ مَا اتخذوا مِن دُونِ الله} من الأوثان.